النجاح للجميع

شاطر | 
 

 حركـة الوعـي بالذات عند هيقل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
laila lailouta
Admin


عدد المساهمات : 58
تاريخ التسجيل : 19/12/2010
العمر : 26
الموقع : exellence.ahlamontada.com

مُساهمةموضوع: حركـة الوعـي بالذات عند هيقل    الأحد ديسمبر 26, 2010 8:28 am

يتحدد الإنسان عموما باعتباره حيوان عاقل، إذ بالعقل تميز الإنسان عن بقية الحيوانات. و أن نتعقل هو أن نفهم، أن ندرك العلاقات بين الأشياء، أن نعي بالأشياء، بالعالم، بالله و بذواتنا. ولكن هذه الخاصية التي تجعل الإنسان فريدا من نوعه ليست معطى فطري في الإنسان وليست مكتسبة مرة واحدة و إلى الأبد، "فالإنسان لكي يحافظ على إنسانية يجب أن يعمل دون هوادة على السمو فوق ذاته" (لاشوليي: "علم النفس والميتافيزيقا"). الفعل يبدو، إذن، ضروريا للمحافظة على امتياز التفكير. و هيقل يذهب إلى أبعد من ذلك، فالفعل عنده هو أصل التفكير. وهكذا فإن العبد يقتحم الفكر بنفيه وتشكيله للعالم. والوعي الذي برتقي إلى الدرجة الصفر من التفكير، عليه أن يعمل دون هوادة ليجعل فكرة أكثر فعلية. فكيف يتمظهر هذا الصعود نحو الفكر الفعلي انطلاقا من الرواقية وصولا إلى الوعي التعيس ومرورا بالريبية انطلاقا من باب الوعي في ذاته من كتاب "فينومينولوجيا الروح" لهيقل ؟



إن الوعي العبد لم يحقق إلا مكابرة، حرية في ظل العبودية، لأنه لم يكابد القلق الأولي وحده القادر على "زعزعة محتوى الوعي الطبيعي" على حد عبارة هيقل، غير أن العبد يحقق بذلك درجة أولى من الحرية بما أنه يستبدل حالة منفعلة متمثلة في خضوعه للسيد بحالة فاعلة تتمظهر في تشكيل العالم. فعندما تحيز العبد بالنسبة إلى الأحداث والتشكيلات التي يعيشها، يتحدد بالنسبة إلى السيد وبالتالي فإن الحرية تتحقق عندما يحقق العبد شخصيته من خلال تشكيل العالم، فعوض أن يتكبد عمله من الخارج باعتباره قدر أعمى، يتملك العبد عمله بذات طاعة السيد وهذا يعني أن العبد يضحي بوعيه بذاته، أي يغير رغبته لا نظام العالم ليحقق حريته، ويتحدد بالتالي باعتباره رواقيا.

لكن الفكر المحقق إلى حد الآن ليس إلا فكرا مجردا، لأن العبد لم ينجح في نفي العالم، إذ أن عمله لا يقوم إلا بتشكيله، من أجل ذلك على الوعي أن يعود إلى فعلية العالم التي كان قد جرّب ابتذالها في باب الوعي من «فينومينولوجيا الروح»، لأن طريق الفكر ينفتح عبر وساطة العالم كآخر. غير أن الوعي الرواقي وعوض أن يواصل ذلك المدّ العملي، يتعالى على العالم و" يتجنب الفعل كما المعاناة " ( فينومينولوجيا الروح : باب الوعي في ذاته) ذلك أن الوعي الرواقي يمتص كل محتوى يأتيه من التجربة في كليته المحضة، فما يعينه في هذا المحتوى هو إقرار الترابط المنطقي للفكر. لكن هذا الموقف تجاه العالم، هذا الامتناع فيما يتعلق بالفعل، لا يمثل تراجعا ولا ينتقص من الفكر حسب هيقل، بل على عكس ذلك يساعد الوعي على المضي قدما في طريق الحرية، لأن الوعي بما أنه غير قادر على نفي العالم، غير موضوع رغبته، و عوض أن يرى في العمل مبدأ تحرر، يتنازل عنه و يحول رغبته نحو كونية الوعي كفكر، و بالتالي يتخلى عن العالم بما أنه خارجي. وهكذا ينغرز الوعي في داخليته دون أن يتعمق فيها بالشكل الكافي ليتبين غزارته الخاصة. ذلك أن الإنسان و قبل أن تستهويه رغبة البحث في أصل الروحاني، يجد في وعيه بذاته الإحساس بأن إرادته مطلقة، وأنه قادر على إخضاع كل شيء لفكره، وأنه قادر على مقاومة كل شيء ما أن ينسحب إلى قلعة ذاته.

مغاير تماما هو الطريق الذي سيتبعه الريبي، فالريبية لا تتخلى عن العالم إنما تنفيه، وبهذا النفي يتعمق الوعي كفكر، ذلك أن التفكر هو نفي، ثم أن العبد توصل إلى التفكير عبر نفيه وتشكيله للعالم. وهكذا فإن الوعي الريبي ينفى العالم عبر تحديده باعتباره مختلف الوعي بالذات، ومختلف مدرك في محتواه المحسوس. والوعي الريبي ينفي العالم عبر تحديده لأنه كما علمنا سبينوزا "كل تحديد هو نفي". وبهذه الكيفية يتحدد الفكر باعتباره قوة نافية، ذلك إن الوعي بالذات ينفي ذاته وينفى الآخر دون هوادة، فالوعي بالذات "ما إن يحدد شيء ما، حتى يتبيّن أنه ضد الشيء الذي حدده… إذ يتحدد مباشرة باعتباره ضد المظهر الذي اتخذه كتحديد"، على حد عبارة جان فال (تعاسة الوعي في فلسفة هيقل ص 121).

غير أن الوعي بالذات في الريبية، لن يلبث أن يعي بانشطاره الخاص وبتناقضه الداخلي بواسطة إقرار يقينه بذاته عبر نفي الآخر. وهذا الوعي بالتناقض الداخلي وبالانشطار هو الذي سيحدد الوعي الريبي باعتباره وعيا تعيسا، الوعي بمأساة الإنسان الذي يتردد بين الألوهية التي لن يدركها والحيوانية التي يرفض أن يكونها، الذي يتردد بين الكونية التي لن يكونها بما أنه فردي والفردية التي هي غير راضية على كيانها. وهذا الوعي التعيس عندما يعي بتعاسته يتحقق كفكر يفكر في ذاته بما أنه واعي بنشاطه الفكري، وبالتالي فكر فعلي في غاية السمو. الوعي التعيس هو إذن تعبير عن قدر الإنسان، لأنه مثلما أعلن ذلك فيخته "أن نكون أحرار هو خير، ولكن أن نصبح أحرارا هو السماء"، إنه "الأزلي" « l’immuable » كما كان سيقول هيقل، إنه تحقيق الوحدة مع الأزلي، ولكن بما أن "لا أحد يستطيع أن يدعي تجاوز الإنسان" كما يعبر عن ذلك المثل الفرنسي، و هيقل يعلم ذلك جيدا، وإذا كان الإنسان يريد أن يبقى إنسانا، فإن عليه إذن "أن يعمل دون هوادة على السمو فوق ذاته".

وهكذا نتبين أن الفكر يتحقق ويصبح أكثر فعلية عبر العمل، عمل العبد أولا الذي يحدد الوعي كفكر، الفعل المتعالي للرواقي الذي يحدده كفكر محض لا مبالي بمحتواه، الفعل النافي للوعي الريبي الذي ينتهي إلى نفي ذاته ويتحدد كفكر ينقصه الوعي بنشاطه، ثم وعي بالنشاط الفكري يحدد الوعي كوعي تعيس ولكن فكر فعلي بما أنه يفكر ويفكر في فكره.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://exellence.ahlamontada.com
 
حركـة الوعـي بالذات عند هيقل
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
النجاح للجميع ::  التعليم العام :: منتدي الفلسفة :: الباكالوريا-
انتقل الى: