النجاح للجميع

شاطر | 
 

 اللغة ومطلب التفاهم عند غادامير

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
laila lailouta
Admin


عدد المساهمات : 58
تاريخ التسجيل : 19/12/2010
العمر : 26
الموقع : exellence.ahlamontada.com

مُساهمةموضوع: اللغة ومطلب التفاهم عند غادامير    الأحد ديسمبر 26, 2010 8:45 am

لقد بينت التجربة إن لقاء الإنسان بالإنسان و لقاء الثقافات كمناسبة لممارسة طقوس الاعتراف المتبادل, كثيرا ما يؤدي إلى مجموعة من ردود الأفعال المرتبطة بأحكام مسبقة، وكليشيات مبنية على العادة وحتى المركزية الاثنية، وهو ما يفسر واقع الصراع و النزاع الذي يتجلى في لقاء الأفراد الذين ينتمون إلى ثقافات مختلفة. وقد يسهل علينا استجلاء أسباب فشل اللقاء، ذلك أن انغماس الهوية في خصوصيتها وانغلاقها على ذاتها يؤدي إلى فشل اللقاء مع الآخر الحضاري. ولكن أيضا المركزية الاثنية التي تتجلى في ادّعاء خصوصية ما للكونية يولّد الفشل. غير أنه إذا كان من الهيّن علينا معرفة أسباب فشل اللقاء، فإن تحديد شروط تحقيق كوني إنساني يبدو أكثر صعوبة خاصة إذا تعلّق الأمر بحوار بين أفراد ينتمون إلى مجموعات لسانية مختلفة. فكيف يمكن استئناف التفكير في اللغة بما يجعلها أرضية للقاء لا يكون قاتلا للجميع؟ ثم ما هي مقتضيات التفاهم المتبادل ومشاكل الفهم والتفاهم خاصة في وضعية الحوار بين ثقافتين مختلفتين؟

إنّ الانتماء إلى ثقافة ما يعني التواصل بطريقة خصوصية أي ممارسة طقوس الاعتراف المتبادل مثلما أقرّ ذلك "Luis Althusser" باعتبارها طقوس متعارف عليها وتدخل في إطار العادة، كما يعني التخاطب بواسطة لغة مشتركة، وبالتالي الحوار، بمعنى التبادل والاتفاق المتبادل. ومن هذا المنطلق يقرّ قادامار H.G. Gadamer أن التفاهم "هو سيرورة حية تعبّر من خلالها جماعة حية عن نفسها"، وتتحدّد اللغة في هذا الإطار بما هي صيرورة الحياة الخصوصية والفريدة، ذلك أنّ اللغة لا تتضمّن فقط علامات وقواعد تنظم استخدام هذه العلامات بل تتضمّن أيضا طريقة فريدة في تحليل عناصر موضوع التواصل اللغوي، فأن نتعلّم لغة جديدة لا يعني فقط تعلّم تسمية الأشياء بأسماء مختلفة وإنما هو أيضا تعلّم ضروب عيش المجموعة التي تتكلّم هذه اللغة. لذلك يرىGadamer أنه علينا أن نأخذ بعين الاعتبار ظاهرة الغيرية، وأن نخضع إلى مقتضيات معينة حتى يحصل التفاهم المتبادل. ذلك أنّ التفاهم "ليس فعلا بسيطا"، وعندما نتواصل نجند أنفسنا أمام امكانيتين:

إما أن يكون هناك توافق بين المتكلم و المتقبل، المخاطِب والمخاطـَب عبر معايير اللغة، ونقول عندها إنّ شروط التفاهم ناجحة.

وإمّا أن لا تكون هناك بداهات مشتركة، أي نكون إزاء معايير وقيم متغيرة ومختلفة، وهو حال تلاقي الأفراد الحاملين لثقافات مختلفة، ففي هذه الحالة نكون إزاء مواجهة بين رؤى مختلفة للعالم، إنه لقاء الغريب.

وإذا كان سوء التفاهم وارد بين أفراد ينتمون إلى نفس الثقافة، فإنه في حالة لقاء الغريب قد يتجوّل التفاهم أيضا إلى سوء تفاهم، وربما حتى إلى لا تفاهم، وإذا كان من الممكن تجاوز سوء التفاهم بمجرّد توضيح ما أسيء فهمه، فإننا نجد أنفسنا في اللاتفاهم أمام مأزق قد يتحوّل إلى اختلاف كلّي وربّما حتى رفضا للتلاقي، لذلك لابدّ من البحث عن أسباب مشاكل الفهم، خاصة وأن الفهم ليس معطى بسيط، بل إنه يقتضي مجهود تأويل. ومن هذا المنطلق يحدّد Gadamer شروط التفاهم في أربع نقاط :

- اللامركزية: إذ علينا أن لا ننظر إلى أنفسنا كمركز، وبالتالي أن نقبل بقيام تجربة الأنت.

- قبول قواعد لعبة اللغة والمتمثلة أساسا في الدخول في لعبة الآخر للقيام بتجربة حوار حقيقي، بمعنى محاورة الآخر دون أن نعرف مسبقا ما سينتهي إليه الحوار.

- مراجعة نظرتنا للحوار، ذلك أن الحوار حسب Gadamer ليس حركة دائرية مغلقة على ذاتها بحيث تصل فيها الأجوبة إلى أسئلة مولّدة لأجوبة جديدة، فالحوار يشبه تجربة الفن الذي ينكشف إلينا كحدث مضيء، والحقيقة التي تظهر لنا عندها كحقيقة ممكنة تدفعنا إلى مراجعة منطلقاتنا، إذ يتعلق الأمر بالنسبة لـ Gadamer بالتخلي عن حقيقة مثالية واحدة، وهو ما يتحقق عند حصول التفاهم التأويلي.

- الاعتراف بدور العادات في الحوار والتفاهم، إذ علينا أن نتبين أن مواقفنا مبنية وفق عادات، فنحن نعيش في زمان محدّد ومكان محدّد، ونتحرّك في وسط معين، وكلّ هذه الـعوامل تحدد كياننا، والاعتراف بحق الآخر بأن تكون له عادات خاصة به تمكّننا من الوعي التأويلي الذي يساعدنا على الانفتاح على الآخر والحوار معه في إطار تواصل حقيقي.

و شروط الحوار هذه تجعل Gadamer يحدد الحوار بما هو فنّ التأويل، فن تأويل يعترف بأن الفكر كحامل لمواقف ولأحكام هو عنصر كوني يمكنني من تجاوز الحدود الضيقة لخصوصيتي، ويمكن كل إنسان من معرفة الإنسان عبر الامتناع عن إدراك الآخر في كلّ خباياه من نظرة واحدة، وذلك لا يكون ممكنا إلا بالوعي بالدور الذي يلعبه التاريخ في ذاكرة الشعوب، ودور الأحكام المسبقة والعادات في بناء هوية الأفراد، وهذا العقد الكوني الذي يقوم على التأويل هو ما سيمكننا من إقامة تواصل حقيقي بين الثقافات، فلا يتعلق الأمر فقط بتعلم لغة الآخر للتواصل معه، بل يجب أيضا أن نتكلّم ثقافته، ذلك هو شرط تحوّل التعلّم إلى فهم وبالتالي إلى تفاهم. ذلك أن فكر قادامار يتأسس حول مفهوم التأويل الذي يقتضي البحث عن القصد العميق الذي يحي الخطاب، إذ يتعلق الأمر بالفهم الدقيق لما أراد المتكلم قوله كما يتعلق بمعرفة المحتوى الفعلي للرسالة، فقادامار يريد أن يصالح بين مشروع التأويل و فكرة الحقيقة، إذ توجد فعلا حقيقة للخطاب، و هذه الحقيقة ليست واحدة و مغلقة بصفة مطلقة، و لكنها أيضا ليست مفتوحة لكل التأويلات. فالتأويل يجب مقارنته بعمل المترجم الذي يسعى إلى التعبير الأكثر أمانة عن معنى النص الأصلي، لأجل ذلك علينا استخدام كل الوسائل المتاحة في اللغة و في تاريخنا و في ثقافتنا و خاصة قدراتنا على تجاوز ذواتنا بالفكر و بالخيال لننفتح على فكر الآخر، لأن معنى الخطاب و معنى كل أثر إنساني لا يمكن فهمه إلا عبر إعادة بناء رؤى العالم و قيم و دوافع صاحبه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://exellence.ahlamontada.com
 
اللغة ومطلب التفاهم عند غادامير
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
النجاح للجميع ::  التعليم العام :: منتدي الفلسفة :: الباكالوريا-
انتقل الى: