النجاح للجميع

شاطر | 
 

 الرمز عند كاسيرر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
laila lailouta
Admin


عدد المساهمات : 58
تاريخ التسجيل : 19/12/2010
العمر : 26
الموقع : exellence.ahlamontada.com

مُساهمةموضوع: الرمز عند كاسيرر    الأحد ديسمبر 26, 2010 8:47 am

عندما تناول ديكارت الإنسان واختزله في بعده الواعي فإنه ميز الإنسان بالطبيعة عن الحيوان. فالفرق بين الإنسان والحيوان حسب ديكارت هو فرق بالطبيعة، فالإنسان عاقل والحيوان "لا عقل له البتة" كما وضح ذلك ديكارت في رسالته إلى "الماركيز دي نيوكاستل" وهكذا فإن ديكارت يكون قد أفرد قولا خاصا بالإنسان قولا ميتافيزيقيا ينزّل الإنسان منزلة خاصة في العالم.

غير أن "كاسيرار" الذي عاش في القرن 20 يحاول أن يفهم الإنسان كجزء من الطبيعة، لذلك يتجاوز التعريفات التقليدية والكلاسيكية للإنسان عبر الإقرار بأن الفرق بين الإنسان والحيوان ليس فرقا بالطبيعة وإنما هو فرق بالدرجة فالإنسان هو حيوان أكثر تطورا من بقية الحيوانات ، أكثر تطورا إلى درجة أنه يحدث نقلة نوعية تجعله يتميّز راديكاليا عن الحيوان، هذه النقلة النوعية تتمثل في الوسائط التي أنتجها ليتواصل مع العالم ومع الآخر.

وإذا كان العلم قد انتهى مع البحوث البيولوجية إلى اعتبار الحياة قائمة بذاتها بحيث يمثل كلّ كائن عضوي كيانا فريدا من نوعه فإنّ "كاسيرار" يعتبر أن العالم الإنساني تمكن من تحقيق تحوّل نوعي يفرق نهائيا الحياة الإنسانية عما سواها وهذا التحول النوعي لا يتمثل في مستوى تغير كمي يتمثل في توسع دائرة الوظيفة لدى الإنسان وإنما "اكتشاف الإنسان بمنهج جديد" يقول كاسيرار جعله قادرا على أن يكيف نفسه بحسب مقتضيات البيئة التي يعيش فيها، فالإنسان مقارنة بالحيوان لا يعيش فقط في واقع أوسع من حيث أبعاده وإنما أنتج الإنسان لذاته واقعا جديدا خاصا به، واقعا يقوم على الوساطة، وساطة الأنظمة الرمزية، و ما يميز الإنسان عن الحيوان هو إذن، حسب "كاسيرار"، قدرة الإنسان على الترميز أي أن يتواصل بواسطة هذا الجهاز الرمزي الذي ينتج دلالات يتشكل بواسطتها معنى العالم، فالإنسان يتميز عن بقية الكائنات لأنه كائن بيوثقافي.

لذلك ينقد "كاسيرار" رومانسية "روسو" الذي اعتبر تحول الإنسان نحو اكتساب خصائص جديدة غير طبيعية فيه علامة فساد لإنسانية الإنسان. ذلك أن ما هو إنساني في الإنسان حسب "روسو" هو الطبيعي وكلّ إضافة غير طبيعية في الإنسان لا تؤدي إلا إلى فساده و تمثل انحطاطا بالنسبة للنوع الإنساني. و "رومنسية" "روسو" جعلته يقرّ في أصل التفاوت بأن إنسان الطبيعة أفضل حالا من إنسان الإنسان مما جعله لا يتوانى على الإقرار في "العقد الاجتماعي": «الإنسان خيّر بالطبيعة ولكن المجتمع هو الذي أفسده». ضد هذه «الرومانسية الحالمة» يقر "كاسيرار" بأن الأنظمة الرمزية تميز الإنسان باعتبارها نشاطا أصيلا لا يمكن أن يرتبط بشيء آخر غير العقل البشري وقدرته على التكيف بل أكثر من ذلك لا يمكن أن نتحدّث عن واقع إنساني قبل هذه النظم الرمزية، ذلك أنها لا تمثل انعكاسا لواقع موجود بصفة مستقلة عنها بل إن الواقع لا يصبح معقولا إلا بفضل الأنظمة الرمزية فهي شرط تعقل الواقع تماما مثلما أن المفاهيم القبلية عند "كانط" تمثل شرط إمكان التجربة ذاتها.

وهذا يعني أن كلّ الوظائف الروحية لدى الإنسان تشارك المعرفة في الخاصية الأساسية من جهة كونها مسكونة بقوة مشكلة في الأصل، قوة لا تكتفي بمجرّد إعادة الإنتاج فتشكيل الإنسان للعالم يكون بواسطة الانظمة الرمزية. و الأنظمة الرمزية بعيدا عن أن تعبر بطريقة سلبية على الحضور المحض للظواهر، فإنها توجد فيها فضيلة الاستقلالية التي للطاقة الروحية كقيمة خاصة للمثالية، وهذا يصدق على الفن تماما كما يصدق على المعرفة، يصدق على الفكر الأسطوري تماما كما يصدق على الدين.

فعالم الصورة الذي تتواجد فيه كل واحدة من هذه الوظائف ليس مجرّد انعكاس لمعطى خبري بل هو على العكس من ذلك مولّد من قبل الوظيفة الرمزية المناسبة بحسب مبدأ أصيل فكلّ الوظائف الروحية تنتج بهذه الكيفية تشكلاتها الرمزية التي و إن كانت مختلفة تماما عن رموز الذهن فإنها لا تختلف عنها من حيث قيمة مصدرها الروحي، إذ لا يمكن اختزال ولا واحدة من هذه التشكلات في الأخرى فكلّ واحدة تحيل إلى زاوية نظر روحية معينة، وكلّ واحدة تمثل من هذه النظرة مظهرا خاصا للواقع. فلا يجب أن نرى في الأنظمة الرمزية طرقا مختلفة يتمظهر من خلالها الواقع بل يجب أن نرى في الأنظمة الرمزية طرقا مختلفة يتمظهر من خلالها الواقع في ذاته للعقل، ولكن هي أيضا طرقا مختلفة يتبعها العقل للتموضع في سيرورته الخاصة أي الطرق التي يتبعها العقل في تمظهره لذاته.

وسواء أخذنا الفن أو اللغة أو الأسطورة أو المعرفة فإنها تؤدي كلها مباشرة إلى ولادة مشكل كلّ مختلف، انتاجات الثقافة (اللغة، المعرفة...) تتماثل رغم اختلافاتها الداخلية في إشكالية عامةن وتتقدم كمحاولات لتحويل العالم السلبي للتمثل البسيط أين يبدو الذهن منطلقا في عالم تعبيراته الخاصة. والوظيفة السميولوجية التي تتمظهر في النظم الرمزية تتقدم تحت مظهر موجّه لإنتاج أشياء متمثلة وهذا النشاط يسميه "كاسيرار" التموضع: L’objectivation . فالأنظمة الرمزية هي إذن سيرورات ديناميكية للترميز لا تمثل انعكاسا للواقع الخارجي بل إنها تجعل تمثل الواقع الخارجي ممكنا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://exellence.ahlamontada.com
 
الرمز عند كاسيرر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
النجاح للجميع ::  التعليم العام :: منتدي الفلسفة :: الباكالوريا-
انتقل الى: