النجاح للجميع

شاطر | 
 

 في اجتراح دلالات التواصل الإنساني و انسداده

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
laila lailouta
Admin


عدد المساهمات : 58
تاريخ التسجيل : 19/12/2010
العمر : 26
الموقع : exellence.ahlamontada.com

مُساهمةموضوع: في اجتراح دلالات التواصل الإنساني و انسداده    الأحد ديسمبر 26, 2010 8:49 am



لعل مشكل الإنسان هو الأشد التصاقا بالفلسفة و الأقرب الى فضائها و طقسها نظرا لخصوبة و تنوع إحالات و عمق التناقضات الراسبة بقاعه و يمكن رد مجمل التلوينات الفلسفية الى هذا الهم الأساسي وفق ما أشار الى ذلك كانط.

و لعلنا لا نخون روح النصوص الفلسفية بالاشارة الى الطابع الإعضالي الذي ميز دلالة الانسان و ما أنتجه من أنظمة رمزية عبرت عن أشكال حضوره في العالم كما ساهمت في تحديد حزمة علائقة مع الآخر، فسؤال ما الانسان لا ينفصل عن سؤال الغيرية ألم ينتبه الفلاسفة الى أن هذا السؤال يتنزل في سياق مساءلة القضايا الكبرى التي نقص لا تخلد لأناها و إنما الى انا تتلقاها " سواء كانت هذه الانا آخر أو آخر الآخر، شبيها أو مختلفا، تاريخا أو جسدا، صديقا أو عدوا...

سؤال الإنسان إذن يضعنا إزاء مشكلة الانساني بين الوحدة و الكثرة و يلزمنا بالتفكير في التنوع و الاختلاف الذي يخترق معيش الانسان و ما يصدر عنه بما فيه من صدام و عنف و ما قد يتضمنه من اعتراف أو احترام يؤكد حاجة الانسان الى الآخر فهابرماس ينبهنا الى أن :"الاعتراف المتبادل بالآخر في غيريته يمكن أن يصبح أيضا علامة لهوية مشتركة" على اعتبار أن الهوية فضاء للفرد، تتعين في الزمن و تتحرك في أبعاده و تتأثر بأحداثه.

لكن ما أهمية النظر في مسألة التواصل الانساني ضمن اللحظة الراهنة؟ قد تكون لهذه المسألة ما يبررها في زمن الانتظار لقيم المرد ودية و النجاعة و الاستهلاك و المشهدية و التوحيد الذي تتلحف به أدبيات العولمة و الثقافة الكونية / الرقمية التي غيبت الإنساني و فاقمت الحيرة و الوجع، مع ما يضاف الى ذلك من تناهي مذهل لأشكال الاحتواء و تزايد مظاهر العنف و اختزال الإنسان في بعد واحد دون الانتباه إلى أن سؤال ما الإنسان؟ هو فاتحة أسئلة مدارها الكلي متجسدا في المتعدد من الدلالات و المعاني، هذه المعاني التي تحدد مسافة سفرنا الأنطلوجي من الفراغ الى الامتلاء و من الوحدة الى الكثرة، و من الغربة الى الألفة و من العداوة الى الصداقة ، من وحدة الأنا الخاوية الى معية الذات الممتلئة أي الى ذاك الانسان فينا الذي يستشرف الكلي مطلبا أملا أن لا يتحول هذا المطلب الى سبب لشقائنا و مشروعا لتبرير الاستبداد و العنف و الهيمنة و التسلط ، و في هذا الاطار ستنشغل هذه الورقة بمسألة الوسائط التي صاغها الانسان لحظة حضوره في العالم و لقائه بذاته و بالآخر و الأشياء و ستتوقف هذه الورقة عند أربعة وساط هي اللغة و الفن و الدين والصورة، لعل كثرة الوسائط التي أنتجتها الانسانية و عبرت بها و من خلالها عما يظطرم في سحيق الانسان من رغبة جامحة في كشف حجب الوجود و تعرية مجاهيله و هتك مغاليقه، قد عبرت عن هذا السعي الذي لا يستقر و الجهد الذي لا يكل لكائن ملقى في العالم و عليه أن يجرب جحيم الكيان و غموض العالم و هذه الأشكال الثقافية تعبر عن تجربة الوجود في ترددها و التباسها و غموضها كما في ارهاصاتها و صراعها و احتمالاتها المضرمة و إمكانياتها .

يبدو أن التساؤل عن علاقة الانسان بأنظمته الرمزية سؤالا غريبا في عصر تحكمه النجاعة و المردودية و التحولات المتسارعة لكن لعل غرابته تلك هي التي تميزه عن أشباه الأسئلة إذ متى كن الفيلسوف في وفاق مع مدينته أو عصره؟ و متى كانت أسئلته تقاس بمدى نجاعتها و انخراطها في السائد ، قد يكون هذا تبرير غير كاف للمسائلة، و لكن التبرير الأهم هو أن الأنظمة الرمزية من المسائلة الملتحفة بالإنسان و الممعنة في القدم بل هي أقدم من أية ذاكرة بدء بالاسطورة و صولا الى الصورة لذلك فهي لا تشير الى الانسان في مستوى الفعل و العمل بل تبين وجهته في التفكير و النظر لأنها كانت دوما شكلا من أشكال القول بل كانت قولا يصل الى اكتماله لحظة تأزم وجودنا في الفراغات الموحشة التي ترتسم على سطح الواقع فبين آمال الانسان من هذه الرؤى و ما آلت اليه تحت وقع التوظيف المصلحي الضيق للايادي القذرة و الارادات المنسلخة نقرأ واقع العلاقات الانسانية اليوم .

في كلمة أنظمته التواصل كيفيات وجودنا تجعلنا نضع ذواتنا في عمق علاقاتنا الحوارية بالعالم و بالآخر، إنها ما به نعاني ثقل المصير و نجرب لذة الكشف عن المعنى رغم ما ينكشف لنا في العالم من نقص و عدمية تفقد أرقى القيم قيمتها.



I- اللغة بين تكبير التواصل و الانسداد:

بادئ ذي بدء يمكن أن ننظر الى مفهوم اللسان من زاويتين إما من جهة الاستعمال الفردي ووقتها نكون ازاء الكلام . و إما من جهة كونه " : نظام من العلامات و الرموز" كما ورد في المعجم التقني و الفلسفي لا لاند و هو تقريبا نفس التعريف الذي يقدمه "ديسوسير" إذ يعتبر كغيره من الألسنيين أن اللغة مؤسسة اجتماعية و اصطلاحية لها وظيفة تواصلية و هذا الموقف العلمي يتقاطع في أكثر من موقف مع التصورات الفلسفية التي اتخذت من اللغة موضوع مساءلة و لعل المحاورات الافلاطونية تجسد بدقة أن مسألة اللغة هي من بين المسائل المعضلة و التي لا تدفع الاحراجات و إنما تعمقها، و في هذا الاطار سنحاول مراودة بعض الأسئلة التي اقترنت باللغة على اعتبار أن الهدف الأساسي الذي كان يطمح اليه الانسان و هو يتهيأ من الخروج من عالم الحيوان المثقل بالاشارات و الأصوات المبهمة، هو وضع أسس تواصل يعبر بها عن قدرته الإبداعية فتشكلت الأصوات و تم بناء العلامات وفق صيغ إعتباطية اقترنت أساسا بالاتفاق الذي يفسر اختلاف الألسن رغم كونها تعمل بنفس الآلية المتمثلة في التمفصل المزدوج بما يحمله من قدرة على التحليل و التفكيك و التركيب و الربط و هو أمر يجعل اللغة الانسانية نسيجة وحدها إذ الطريقة التي وفقها نتكلم تعبر عن مبدأ اقتصاد في اللغة غريب إذ الجهاز الصوتي مكون من عدد صغير من الأصوات لكن هذه الأصوات إذا ما ركبت و حللت نتحصل على عدد لا متناهي من العلامات و العلامات بدورها خاضعة لمجرى الخطاب و تحولاته (مارتينيه).

إن انتظارات الإنسان وهو يبني صرح اللغة في سحيق أزمنة الماضي و آماله ليشكل اللغة كرؤية للعالم يمكن أن تفهم في إطار جدلية الذات و الآخر لحظة اكتساب اللغة بما هي نتاج تواصل و شرط إمكان الوجود الانساني فعلا. فتعلم الغة هو في حد ذاته مدخل أساسي الى عالم الآخرين و ممر للانتساب الى ممكلة الانسان، فأنسنة الانسان ليست نتاج تطور طبيعي من خلال تحقيق الاستعدادات البيولوجية، بل هي عملية تظل رهينة الاشتراطات الاجتماعية التي تعين مميزاته النوعية و تنقل له خبرات الجماعة التي راكمتها عبر تاريخها من خلال رموز اللغة بما هي خزان كل ذلك فاللغة هي شرط امكان أنسنة الإنسان و في غيابها يصير الانسان "وحشا خلو من المعنى " وفق عبارة روزنتال.

و اللغة بما هي نتاج تواصل تكون علامة على أن الانسان مجعول للتواصل بصورة قبلية فالعلامات اللغوية بما هي شكل تعبيري الى جوار الأشكال التعبيرية الأخرى تكشف عن وجودنا للآخرين بلغة "ج بول سارتر" و هو ما يبرز وحدة الإنسان و اللغة ،إن وجود اللغة في حد ذاته يشير الى أن هناك من يشاركني في هذه الرموز بحيث يكون قادرا على تفكيكها و فهم مضامينها فالعلامات اللغوية لا يمكن أن تكون من إبداعي الفردي، إذ هي مؤسسة تتعالى علي لتشمل غيري فهي ما يوحد بيننا و يمكننا من التفاهم و إدراك مواضيع اختلافنا و تمايزنا و تقاربنا، كل ذلك لا يمكن أن يتم ان لم يوجد حد ادنى يؤسس عالما مشتركا هو عالم الانسان ألم يصرخ سقراط حين أزعجه صمت الآخر: " تكلم حتى أراك " ثم ألم يردد ديكارت في لحظة لاحقة، " اللغة رداء الفكر" ليعلن من ثمة أن اللغة هي الضامن الذي يخرج الانسان من حيز الحيوانية الى حيز الانسان ذلك أن التفكير هو شكل من أشكال اللغة الصامتة كما بينت الدراسات اللسانية و بعض التأملات الفلسفية المعاصرة (مرلوبوتي /لوفافر) فالالسني المعاصر "بنفينيست" اعتبر ان اللغة هي شرط اكتساب المقولات المنطقية التي بها يتم تنظيم الواقع و ادراكه و هي فضاء ترتيب الافكار و استحضارها و توليدها يقول ميرلوبنتي في ظاهرية الإدراك : "الكلام لا يترجم فكرا و إنما يحققه" بلغة اخرى اللغة لا تترجم لنا خصائص الانسان فحسب و انما تسهم في تحققه و تمثل عنصرا لا غنا عنه لتشكيل ماهيته بما هو كائن الحرية و الارادة و الوعي.

تلك هي إذن بعض الآمال/ أو لنقل تلك هي انتظارات الانسان من وراء اللغة كتعبيرة ثقافية صاغها متطلعا لعالم مفعم بالغايات لكن السؤال العالق بقلق الإحراج و المفارقة يتعلق بما أسماه نيتشه بالمآل أي بما انتهت إليه اللغة لحظة طلاقها الغايات و معانقتها لعالم الوسائل ألم يكتب ليقول "الانسان صانع الغة و لكنه أول ضحاياها". فإذا ما كانت اللغة لحظة تجلي المكبوت و المهمش و اللامعقول كما تمثلها ميشال فوكو، و إذا ما كانت اللغة لا تقول ما تقول حين تقول، فإننا مع برغسون نكتشف حدودها و قصورها، إذ كثيرا ما تقف الألفاظ حجايا بين الانسان و ذاته و بين الانسان و العالم وهو ما يؤكد عدم التجانس بين اللغة و حياة الذات.

و هذه القطيعة تبدو في الواقع قطيعة مزدوجة فهي قطيعة بين الأنا و عالمه الداخلي و بين الأنا و الآخر و مردها عدم قابلية ترجمة التجربة الذاتية الى ألفاظ بحيث يمكن تحويلها الى موضوع تواصل، فالإنسان يعيش دوما احباطا غير قابلا للرد فهو يرغب في التواصل لكنه لا يستطيع ذلك.

و يمكن بلورة هاتين القطيعتين من خلال أطروحات كل من " هنري برغسون" و غاستون برجي. فالأول: يبين لنا أن عالم الذات هو ديمومة متجددة لا يمكن ارجاعها فهي ليست حالات نفسية متعاقبة و متكررة بل هي عالم الكيف غير المتجانس و المتنوع دائما لذلك تصبح مقولة الزمن لا غية لان الزمن يقتضي فهم الأشياء و ربما ذلك ما يفسرلما يعرف "برغسون" اللغة بما هي اختزالية تشتيتية يتم بناءها على نحو تعاقبي لذلك فهي تشوه سيلان المشاعر و الانفعالات و تفسد تجددها الدائم فاللفظ لا يبقى من الشعور إلا خصائصه العامة إذ يفرغه من بعد الشخصي و يوهمنا بثباته و يقدم المشاعر على انها مكرورة و متعاقبة فتحجب عن الذات حقيقة مشاعرها و تخدعها و تجعلها أمام ظل كينونتها فكي يترجم عالم الذات الى ألفاظ ينبغي أن يتحول الى عالم جامد، إن الألفاظ التي بها نتواصل تذوب الأنا في قوالب النحن فيغيب الأنا الشخصي في ثنايا الأنا الغير شخصي يكتب " برغسون " في كتابه "محاولة حول معطيات الوعي المباشر: ها نحن أمام ظل لأنفسنا إذ نتوهم أننا حللنا شعورنا و لكننا استبدلناه في الواقع بحالات جامدة يمكن ترجمتها الى كلمات". أما "غلوسون برجي" فإنه يؤكد ان ما تحياه الذات من انفعالات و مشاعر و حالات مختلفة هو من الفرادة بحيث لايمكن فتحه للاخرين الاعلى وجه الايماء والإشارة، فالإنسان ج مكره على أن يحيا في عزلة لا سبيل لاختراقها عبر تشريك الآخر فيها، فاللغة وظيفيا تهدف إلى التواصل وكشف حجب الذوات والعالم، لكن التواصل يهدف دوما إلى نقل ما لا يمكن نقله، إذا التجربة الذاتية لا يمكن أن يدركها الآخر في فرادتها، فحالات مثل الألم أو اللذة لا يمكن للآخر أن يستشعرها في أدق تفاصيلها ،

وتتجلى هذه القطيعة بوضوح في الموت فوفاة صديق تبرز غربتي بالنسبة اليه فانا احضر جنازته كغريب ومهما كان فان الحزن يظل تجربتي ويبقى الموت بالنسبة لي تجربة مجهولة فنحن نموت كما نولد بمفردنا، ويلخص "برجي " اطروحته فيقول :" لايقدر الاخرون على اختراق وعي كما انني لااقدر على فتحه لهم حتى لما اريد ذلك" ولقد استنتج نيتشة من خلال النبش وراء اكوام الفكر ان اوهاما عديدة قد سيطرت على الانسان وينتهي الى كون اللغة أداة خداع ووسيلة للمراوغة نتيجة كونها مبنية على اقنعة الاستعارات الميتة ورياء الكنيات الم يقل:" كل لفظ هو حكم مسبق وفي ذلك يكمن خطر اللغة على الفكر." وفي لحظة معاصرة يدعونا ميشال فوكو الى العمل جديا على تهشيم بعض الكلمات لاستجلاء المعنى الاخر الذي تخفيه والى جواره "رولان بات" كتب يقول: "ان اللغة فاشية فان نخطب هو ان نخضع" مما يعني ان الغة لاتحقق التواصل الا على جهة الزيف والمغالطة لذلك نفهم ان ما تخفيه اللغة احيانا يقوله الجسد ولعلى ذلك ما تفطن اليه هنري لوفافر لحظة مساءلته لعلاقة اللغة بالواقع اذ يقول:" ماقبل اللغة وما بعد اللغة يوجد الصمت ، ان في الكلمات ليل عميق المعاني ليل شفاف يظهر أيضا في العيون والنظرات ينتظر الكلام."

فاللغة لا تسمح لنا بالقول احيانا وتجبرنا على القول بغير علاماتها واصواتها وتجاربنا الفردية تؤكد كثيرا إننا نحتاج للكلمات فلا تاتي أحيانا.



II- الفن من أمل الطقوسى إلى مآل الاستعراضي:

يشير لفظ الفن في معناه القديم و الواسع في الغة الاغريقية و اللاتينية الى المهارة و المقدرة في الممارسة تبعا لما كان يقصده القدامى من أغراض جمالية و أخلاقية أو نفعية و كانت الفنون تنقسم عندهم الى فنون جميلة تختص بادراك الجميل / و فنون السلوك تختص بادراك الخير / و فنون نفعية تختص بادراك النافع.

أما المصطلح بمعناه الحديث فينطبق فحسب على تلك النشاطات الإنسانية التي تميل باتجاه النزعة الجمالية و لعل ذلك ما عملت فلسفة الفن على رصده انطلاقا من مشكلات علاقته بالطبيعة و طرح أسئلة من قبيل هل يوجد جمال طبيعي ؟ هل الفن محاكاة للطبيعة ؟ هل يمكن ان يصير القبيح في الطبيعة جميلا بواسطة الفن؟ هذه الأسئلة عمقت مسائل أخرى في نظرية الفن . هل للفن قيمة وجودية ؟ هل هو انعكاس لواقع غير مرئي أم هو تحويل ذاتي للواقعي ؟ هل في مقدور الفلسفة أن تستبين حقيقة الإبداع أيمكن شرحه ؟ أيكون حدسا خارقا أم وليد جهد و معاناة؟ هل الحتميات التاريخية و الاجتماعية و النفسية عوامل كافية لشرحه؟ ثمة مشكلة أخرى تتعلق بتلقي العمل الفني، فما طبيعة المتعة الجمالية ؟ هل الجميل موضوع حكم ذوقي / ذاتي فحسب؟ أم الأمر يتعلق بما هو موضوعي؟ ثم ما جوهر الجميل؟

إن الأسئلة السابقة تفترض هذا السؤال كأساس لأن الفن يعرف بالرجوع إلى معيار محدد هو الجميل، لذلك تقدم فلسفة الفن نفسها تاريخيا بالدرجة الأولى على أنها ميتافيزيقا الجميل. إن التجربة الجمالية كما ينبهنا كانط هي التجربة الأصيلة للتواصل بين البشر و هي توحي بوحدة الفكرة الانسانية فالتجربة الفنية في تنوع أساليبها التعبيرية و تجسيدها لرؤى الانسان في العالم تجذر تجربة هذا الكائن في الوجود بما توفره من استيضاءات للملتبس و المبهم من حولنا و لقد قامت محاولات كثيرة لتفسير طبيعة الفن الجوهرية و الوقوف على الخاصة التي بها يتميز الفن عن مظاهر النشاطات الإنسانية الأخرى و لقد قام العديد من الفلاسفة أمثال أفلاطون و شيلار و لانش بتعريف الخاصية غير النفعية للفن، و البعض الآخر أجمع على أن الخوف الوهمي من قوى الطبيعية المجهولة هو أحد الينابيع الرئيسة في الإبداع الفني لدى الإنسان البدائي و الفن في المجتمعات البدائية شديد الارتباط بالتعابير الثقافية الاخرى كالسحر والاسطورة التي لم تكن خالية تماما من الاغراض المادية والنفعية. يهدف الإنتاج الفني في المجتمعات البدائية الى بلوغ غاية سحرية طقوسية ، اذ تعبر الصور الفنية عن ارادة الانسان البدائي في مواجهة مخاطر الطبيعة ومصارعته للحيوان فيتوهم تحقيق حاجاته لمجرد رسمه لصورة الحيوانات على جدران الكهوف ليعبر عن مشاغله الحياتية و على نمط تمثله السحري للعالم فيكتسي الأثر الفني طابعا طقوسيا متميزا للعالم حتى و إن كان تصويرا له. لذلك يخفي البدائي الرسوم الفنية و يواريها عن الأنظار نظرا لطابعها القدسي فالانسان البدائي لم يرقى الى مستوى الوعي ان للفن قيمة مستقلة عن الغايات النفعية و الممارسات السحرية و لعل ارتباط الجميل بالنافع نجد له صدى لدى "سقراط" "لا أستطيع أن أسمي الدروع المزخرفة جميلة إذا كانت لا تحمي المقاتل من ضربات الاعداء و على العكس من ذلك فالدروع التي تؤدي مهمتها الأساسية آداء جيدا جميلة و إن كانت زخرفتها قليلة القيمة". (سقراط دميم الخلقة و جميل الروح) الى جانب ارتباط الفن بوظائف سحرية و نفعية ارتهن الى وظائف لا هوتية فلم يكن القصد من نحت الحجارة إثارة الاعجاب الفني و توليد اللذة الجمالية بل يعبر الأثر الفني عن هاجس إدراك المطلق و تقديس للآلهة لذلك لا يجوز لغير رجال الدين (قساوته) رؤية هذه التماثيل مما يعني أن خلق الجمال لم يكن غاية مستقلة بل كان يهدف أساسا الى التعبير عن معتقدات دينية، تلك كانت آمال الانسان و كأن الجمال في حد ذاته يعد ثانويا بالمقارنة مع ماهو نفعي اسطوريا أو لا هوتيا.

أن الأثر الفني قد تحرر اليوم من صيغته الطقوسية بحكم الأهمية المطلقة لقيمة الاستعراضية ، لقد تحرر من كل الأبعاد النفعية و السحرية ليصبح انتاجا للجمال اي ابداعا فنيا مستقلا، هناك اذ نقلة نوعية من الفن الطقوسي الى الفن الاستعراضي و لم يعد الأثر الفني صورة مخفية عن الأنظار العامة و أما اليوم فان العاشق و الفيلسوف و منظم الجنازات يمكن أن يحددوا الجمال بصورة عظيمة الاختلاف و لكنهم جميعا يحددون حالة واحدة، شرطا نوعيا واحدا صفة معينة تجعل الجميل متميزا عن غيره من الأوصاف، فالمرء يختبر الجمال في الجميل بصورة مبهمة و مباشرة في آن واحد فهو يسمعه و يكتشفه و يلمسه و يحس به و يفهمه، و هذا الاختبار يأخذ شكل صدمة و ربما كانت علة ذلك ما للجمال من طابع يوحي بالمفارقة إذ أنه يحطم التجربة اليومية ليطل على ماهو كلي لذلك ليس هنالك على ما يبدو سوى تعريف واحد قادر على المحافظة على المضمون المعاش للجمال رغم كونه أقل التعاريف دقة أعني الجمال بوصفه "وعدا بالسعادة" على حد تعبير "ستندال". فهذا التعريف لا يعانق ماهو مؤقت و متلاش معا في وضع البشر و الأشياء لذلك ليس من الهين تحديد طبيعة الخلق الفني بسبب اللبس الذي يسود علاقة الفن و الجمال و الواقع فإذا كان الرأي الشائع يميل الى الخلط بين الجمال الطبيعي و الجمال الفني فإن مسألة الخلق و الإبداع شائكة ملتوية تحتاج الى طرح دقيق اذ بالرغم من تعدد الأجوبة منذ العصر اليوناني القديم لم يرفع اللبس و لم تغب المفارقات ذلك لأن منطق الخلق الفني لا يمكن أن يختزل في عميلة التقليد أو المحاكات فالأثر الفني لا يعبر عن واقع الكثرة و كثرة الواقع بقدر ما يغييرها و لا يصفها بقدر ما يخلق واقع جديدا مغايرا لها.

إن مفهوم الخلق الفني يطرح اشكالية هامة من اشكالات الجمالية الحديثة و المعاصرة فبعد أن ساد التفسير الاهوتي و حصرت عملية الخلق داخل علاقة الانسان بالاله، الأمر الذي أدى بالفلسفة اللاهوتية إلى اعتبار الإله هو الخالق الوحيد تكونت ميتافيزيقيا الخلق الانساني ليصبح الخلق صفة انسانية الإنسان ذلك إن الإنسان الصانع Fabert حسب عبارة "برغسون" يحقق وجوده عن طريق الفعل الفني الذي يختلف عن تكرار الإنتاج التقني و رتابته " و في هذا السياق يتنزل القول السارتري "الجمال صفة لا يمكن ان تنطبق الا على ما هو خيالي ."

و إذا كان الفن نشاط يرتبط بالتخيل فان ذلك لا يعني تعارضه مع الواقع فإدراك الواقع لا يتعارض مع التمثل الخيالي بل يتفق معه و ينحو نحوه و لقد اعتبر "هيدغير" مجالي الواقع و الخيال الفني متضايفين بواسطة الحقيقة التي يكشف الفن عنها و التي ينتزعها من الأرض التي تختفي فيها لأن الفن ليس نشاطا تخيليا فحسب و إنما هو : " مشروع كاشف " و العبارة لهيدقير "أصل العمل الفني" و من زاوية أخرى يعتبر "فرويد" أن الخلق الفني هو البديل عن اللعب الطفلي فالفنان يكون أبا لأعماله لكن مع مشاركة تؤديها الصدفة و الضرورة فتلك صفة تتصف بها كل أبوة كما أن العمل الفني ينفلت من "الغايات" التي يلاحقها الفنان و ينفلت منه ليصبح مطية للعودة الى الواقع الذي يئس منه . ان المقاربة النفسية للأثر الفني ادعت انها تحيط بحقيقة هذه التجربة من خلال الوقوف على بواعثها و أسبابها و نتائجها فتم تقديم الفن باعتباره وسيلة للتوازن النفسي، فالدوافع الغريزية تنشد في الواقع فرصة الاعلاء عبر وساطة المخيلة لكن "بول كلي" يعتقد بان الفن كتعقيد و الفن كتصعيد لا يستوفيان حقيقة هذه التجربة لأن وظيفة الفن ليست بمعزل عن فعالية الخلق و الابداع فالفنان مطالب بأن يدخل في مواجهة مع كل القوى التي تأبى إعادة تركيب الواقع نعني بذلك المؤسسات القائمة كالاخلاق و الدين مثلا و لعل ذلك ما لاحظه "هربرت ماركوز" في كتابه "الانسان ذو البعد الواحد " ألم يقل إن "الشعور المباشر بالجمال يثير الاحساس بالسعادة".

إن التجربة الفنية تتأسس على عوالم مختلفة و متعددة الخصائص تجريدية، تاريخية و اسطورية حيث المتشكل الفضائي لها حركة مستديمة تهجس بالحنين الى الابدية و تبعث على الحلم و الاستيهام مدارها في ذلك سطوع الذاكرة و دينامية الفعل فمناخ الأعمال الفنية فتنة اكتشاف غائمة الملامح عبر اشراق الذاكرة التي تستحضر علامات و أشكال تخص علاقة الانسان بذاته و بالاخر و بالعالم . فالفنان يحتفي بالرؤى المنفلتة بفعل قوة المتخيل حيث المتشكل حفر في وجود الانسان و كيانه و اجتراح لدلالات التواصل و الحب و الفناء و الأبدية و لعل بهذا المعطى يقدم أكثر مما هو كائن كأنه هجس على شاكلة نيتشه: "انا هو الذاهب الى الأعماق و لا أبالي بضيق المدى و باتساعه. "فالفنان يحدوه توق إلى الاندثار في أفق المجاهل و الخفايا، و رغبة ملحة في دغدغة المطلق و ملامسته حيث يكون السفر مفتوحا على ألق الطفولة ووضيء منارات الذاكرة فالعودة الى البدايات الأولى و الحفر في الطقوس القديمة للانسان، انما هو حنين جارف الى الأشياء البكر التي تجسد قدرة الفنان على الخلق و الابداع ذلك أن الاثار الفنية تجسد فعلا لقاء الانسان مع الاخر و مع الزمن في فضاء يتسع الى أكثر من حلم و تأويل، هناك في افن يستحيل المكان رمزا لأبعاد فلسفية تخص علقة الذات الانسانية بالعالم مما يعني أن التجربة الفنية مغامرة مفتوحة على مناطق و أقاليم مظلمة لم يطأها حدس الانسان. ألم يقل "شوبنهاور" : "الفنان هو من أعارنا عينة للنظر الى "العالم".



III- الدين من سديم الخوف إلى تأليه الانسان:

يقول آلان : "ليس الفن و الدين شيئين اثنين بل هما الوجه و القفا لنسج واحد لا غير." تجدر الملاحظة أولا الى ضرورة التمييز بين الدين كرؤية للعالم و بين الأشكال التاريخية التي اتخذتها هذه الظاهرة، و الملاحظة الثانية أن ليس ثمة تفسير واحد للدين و بالتالي ليس هناك موقف يجمع بين المحاولات الرامية الى تفسيره يشير هذا المفهوم وفق التحديد المعجمي الى معنى المؤسسة التي تمارس سلطتها على مجموعة من الأفراد يجمع بينهم القيام بطقوس منتظمة و الايمان بقيم مطلقة و يتميز الدين بكونه منظومة من الأحاسيس و الأعمال التي تتخذ من قوة ما فوق بشرية موضوعا لها، أما في المعنى الانثروبولوجي فان الدين لدى الأقوام البدائية هو الاعتقاد بعالم الأرواح أو هو استرضاء القوى المتعالية و التي يعتقد أنها تحدد مجرى الطبيعة و توجه حياة البشر و هو عند الاغريق و الرومان المقدس أو المحرم الذي لا يجوز مسه أو مخالفته إنه السري و الخطير و الرهيب و الخفي، الم يقل ميرلوبنتي: " الدين حق و لكن بحقيقة لا يعرفها هو نفسه "و ليس بعيدا عن "ميرلوبنتي" يبين فرويد أن الأفكار الدينية تنبع من الحاجة نفسها التي تنبع منها سائر انجازات الحضارة متمثلة في ضرورة الدفاع عن النفس ضد تفوق الطبيعة الساحق فالانسان كان مطالب بأن يضع حدا لحيرته و ضياعه و ضائقته أمام قوى الطبيعة المخيفة الأمر الذي يتيح له أن يقيم علاقة معها و أن يؤثر فيها في خاتمة المطاف. فحقيقة الدين و آليات اشتغاله من زاوية التحليل النفسي تنزله تنزيلا نفسيا نظرا لكونه نتاج لحاجة الانسان للحماية و الشعور بالأمن ذلك ان الاحساس المرعب بالقلق أيقض الحاجة الى الحماية و هي حاجة لباها في البداية الاب و لحظة قتل الاب خلق الانسان أبا اعظم أشد بأسا هو الإله إن المساءلة الفرودية للدين عبرت عن علاقة انسلاب و اغتراب جارية في فضاء المخيال و رامية بالأمر إلى حدود العصاب أو المرض أو الوهم بحسب التسميات الفرودية المختلفة ذلك أن السكن و الاقامة في خيمة الالهي هو تغريب للانسان و دفع به إلى حياة الزيف و الوهم فالأوهام الدينية تتجذر في قرارة الذات و تضرب بجذورها في البدايات الأولى للتاريخ الإنساني و يعتبر فرويد ان تحطيم هذه الأوثان هي مستحيلة فقد كتب يقول في رسالة مارس 1923 "لرومان رولان" "لقد قضيت جزءا هاما من حياتي مشغولا بتحطيم أوهامي الذاتيةة و تلك العائدة للانسانية أيضا".

هكذا يبدو فرويد و كأنه يحمل قلق الانسان و التاريخ فوق ظهره. فاذا كان الدين يحقق للفرد و الجماعة انسجاما مع الكون و مقدرة ولو زائفة بحسب التحليل الفرويدي على مواجهة الحياة خاصة و أنه يصرح في كتابه "مستقبل وهم" بجسامة تجربة الوجود للفرد أو الانسانية فهل يصبح الإنسان سويا إذا نزعنا عنه بعده الأسطوري و الديني؟

إن القيمة النفعية للدين من وجهة نظر نفسية تبدو ذات أهمية بالغة و من هنا تتجلى جدوى الاعتقادات الدينية بقطع النظر عن صدقها أو زيفها.برغم كل هذه الأسئلة المنقوصة و ما يقابلها من أجوبة مبتورة و ظرفية فإنها لا ترقى إلى ما يطمح إليه فرويد من إعادة تشكيل للإنسان الحر.

هكذا اندفعت الإنسانية إلى الدين إما خوفا أو انتظارا للعون أو حماية أو تأليها للإنسان فالدين يظهر عند فيورباخ محورا أساسيا يتمثل صلب كتاباته جميعها ألم ينبهنا قائلا: " لقد كان شغلي دائما و قبل كل شيء أن أنير المناطق المظلمة للدين بمصابيح العقل حتى يمكن للانسان أن لا يقع ضحية للقوى المعادية التي تستفيد من غموض الدين لتقهر الجنس البشري" "قراءة في ماهية الدين" .

ففيورباخ كما يرى أنقلز لا يهدف الى محو الدين و الغائه بل يسعى الى الوصول به حالة الكمال حيث يعتقد أن الفلسفة نفسها يجب أن تدخل حضيرة الدين و تجعله محورا لها لأن الدين مازال قائما باعتباره وظيفة أبدية للروح الانساني فالفهم الأساسي و الأولي للدين عند فيورباخ يتخلص في آن "الانتروبولوجي هو سر حقيقة اللاهوت" أي أن جوهر و حقيقة الدين و معناه العميق هو الجوهر الإنساني، فالدين هو الوعي الاول و غير المباشر للانسان، أي الوسيلة التي يتخذها الموجود البشري في البحث عن نفسه "جوهر الدين"

فالدين يعد بمعناه الإنساني قمة الوعي بالطبيعة و الماهية الجوهرية للانسان و الدين بهذا المعنى يمكن أن نلتمس جذوره من بعض الشذرات لهيقل إذ كتب يقول "لا يجب أن يقتصر الدين على العقائد الجامدة، و لا يجوز تعلمه من الكتب و لا يجب أن يكون لاهوتيا بل بالاحرى أن يكون قوة حية تزدهر في الحياة الواقعية للبشر أي في عاداتهم و تقاليدهم و أعمالهم و احتفالاتهم ، يجب أن لا يكون الدين أخرويا بل دنيويا انسانيا و عليه أن يمجد الفرح و الحياة الأرضية لا الألم و العذاب و جحيم الحياة الأخرى "و في هذا النص وجد الشباب الهيقلي انجيل تأليه الانسان فالدين عند هيقل هو صورة الوعي بالذات وهو من عوامل تأصيل الانسان و تثبيته على الأرض لأن الدين مقره القلب رمز كل ما هو حي و تحويل الدين الى لاهوت جامد يعني تحويل بصر الإنسان عن الأرض إلى السماء حيث عالم الماوراء عالم اغتراب الانسان و شقائه.

خلاصة القول ان الفكر الديني يرتبط ارتباطا عضويا بالمعتقد و يبرره و يطبقه في شكل طقوس و صيغ ثابتة لذلك فان عملية تحديد وظيفة الدين لا تخلو من أشكال و الجدال فالبعض يختزل وظيفة الدين في تعيير التجربة الإنسانية و تحديد الغايات القصوى للوجود الانساني و يرى البعض الاخر أن تحقيق الانسجام و الوحدة في النسيج الاجتماعي هي الوظيفة الأساسية للدين و يذهب علم النفس الى حد الاقرار باضطلاع الدين بتحقيق التوازن النفسي رغم وهميته و ثمة من يرى أن للدين وظيفة ايديولوجية تتعلق بتبرير و تأييد واقع الحياة و التناقضات مثلما هو الأمر لدى ماركس. فهل يصبح الإنسان سويا إذا نزعنا عنه بعده الأسطوري و الديني؟

إن القيمة النفعية للدين من وجهة نظر نفسية تبدو ذات أهمية بالغة و من هنا يتجلى جدوى الاعتقادات الدينية بقطع النظر عن صدقها أو زيفها برغم كل هذه الأسئلة المنقوصة و ما يقابلها من أجوبة مبتورة و ظرفية فإنها لا ترقى إلى ما يطمح إليه فرويد من إعادة تشكيل للإنسان الحر.



VI - في تقاطع الصورة و المشهد :

تمثل الدعاية أسلوبا من أساليب الاتصال بالجماهير و الافراد لحملهم على اعتناق فكرة أو تبني رأي أو سلوك معين من خلال خلق جو من الترغيب بالاستفادة من كل تقنيات التأثير المتاحة ، و الصورة هي أبرز ما تتوسله الدعاية في أشكالها المختلفة اليوم وفق ما يشير اليه "ريجيس ديبراي " حين يقول: "الصورة هي تضع اسطورة العصر الحديث و ليست الكلمة" و في موقع آخر من كتابه " حياة الصورة و موتها" و تحديدا في مفتتح الأطروحة الثانية :" الصورة على عكس الكلمات في متناول الجميع." فهي في مستوى التلقي متاحة لكل الناس وأثرها أعمق في النفوس إذ تخلق الرغبة و تعيد انتاجها و تستمد الاستراتيجيات الاشهارية معظم عناصرها من قدرة الصورة على المغالطة و توجيه سلوك المستهلك من خلال ما يسمى بالتسوق Markiting ذلك أن الإنسان الذي يتوجه اليه الاشهار لا يفكر عبر البرهنة المنطقية و انما يفكر من خلال الصورة لذلك لا تقدم لنا الصورة الاشهارية دلائل و براهين و انما تبهرنا بصورة محملة بأحكامنا و أعرافنا الجاهزة و نماذج عيشنا فنحن نلاحظ مثلا أن فكرة النظافة عند الغرب في الستينات من القرن الماضي ارتبطت باللون الأبيض الناصع و بالروائح العطرة لذلك فإن الصورة الاشهارية تقدم مواد التنظيف في علاقة بالبياض لكن في الثمانينات و مع استفحال ظاهرة التلوث و تطور الحس البيئي أصبح الاشهار يقدم لنا مواد التنظيف خالية من الفسفاط و المواد الكيميائية، فالصورة تقدم منتوجا مثلما بين "رولان بارط" لا يحيل الى وظيفة ونحن لا نشتري سيارة بل نشتري اغراء الناس.

هكذا تشتغل الصورة / الوهم اليوم و هكذا اطردت الدعاية الحقيقة و أحلت مكانها الوهم لكن الأوهام أصبحت شرطا للثقافة و المجتمع و نماذج للتلاعب بالفرد و العقول علينا الانتباه الى بنية الصور و أشكال اشتغالها لأن لها وظائف دالة ضمن الوضعيات التي ترتبط بها داخل نسيج العلاقات بين الأفراد أو المجتمعات فالصور تحيل على كلام تضميني يسعى السيميولوجي الى تفكيك دلالته مما يعني أن الصورة تنفرد عن غيرها من الوسائط بقوتها الترميزية البالغة التأثير و لعل ذلك ما يبرر ارتباطها تاريخيا بالفن و الدين و حضورها اليوم كتجسيم لقوة الانسان التقنية ، انها تتمتع بسلطة رمزية مهما كان الوسط الذي تتنزل فيه و الوضع لتاريخي الذي تربط به و لعل هذا ما عمل "ريجبيس ديبراي" على تبيانه حين كتب يقول "أن الصورة وسيلة بشر لا وسائل لهم " .

أليس الإنسان هو من ينشد إلى الصورة لسحر فيها تفتنه فتعكس صورته الحضارية و يفتنها إذ يطوعها حتى يكون بها كائن ثقافة و يتوسلها ليحقق عبرها تواصلا مع ما قد يستعصى على التواصل.

لكن ما السبيل لمواجهة هيمنة عالم الصورة حتى يستعيد الانسان ذاته؟ في نفس السياق يعمل "غي ديبور" في كتابه " مجتمع المشهد" على رصد شكل آخر تتوسله الدعاية متمثلا في المشهد و قد يتبادر للاذهان ان المشهد هو المجموع المشكل من الصور الا انه ينبهنا في الاطروحة الرابعة فيقول: "ليس المشهد مجموع صور. و انما علاقات اجتماعية بين أشخاص توسطتها صور" و هو ما يعني انه يمكن أن تغيب الصورة دون أن يغيب المشهد فعند متابعة استعراض عسكري فنحن لسنا ازاء صورة و انما ازاء نسق من العلاقات و الطقوس فالمشهد يتضمن مقاصد العرض و دور المشاهدة و مضمون و شكل المشهد و في موقع اخر يكتب فيقول: "ان المشهد هو الطور الذي تمكنت فيه البضاعة من السيطرة الكلية على الحياة الاجتماعية" أو هو كل ما انفصل عن الانسان ليعرض أمامه و ينتصب قبالته أي هو المظهر الذي يعبر عن اغتراب الانسان و انفصاله عن ذاته و عن شبيهه كما عن عالمه فالمشهد ليس الا تضاريس حرب ضروس بين البضائع و السلع حولت الانسان الى مجرد كائن ارتكاسي أصابته شضايا المشهد فحولت عقله الى عقل بضائعي و أغلقت أمامه سبل التواصل مع ذاته. و لعل قيمة الكتاب تكمن في دعوتنا الى التحرر من سلطة المشهد من خلال العمل على تقويض شروطه الموضوعية أملا في استعادة ما غيبه في الانسان لان ما يتعين ادراكه ان التواصل حوار و هدف الحوار افساح المجال أمام البشر للتعرف و التعارف المتبادل كمقدمة للفهم و التفاهم و حتى يكون الحوار حوارا كونيا لا بد أن يتأسس على الحقيقة و الحرية لا على أشكال الالزام القسري التي تفرضها الوسائط الحديثة التي يحركها الايديولوجي بغاية التحكم في ردود الأفعال من خلال خلق حالات التنميط السلوكي.

إن التواصل الذي ينجزه المشهد لا شخصي بحيث أن المشهد لا يتوجه إلى شخص محدد و لا تكون ملامح المتلقي معلومة وواضحة بل يتوجه إلى عدد كبير من الأفراد بواسطة نسق خطابي و تركيب لمجموعة من الرموز و الدلائل المبنية على قواعد السياق و التشكيل البصري و تشتغل هذه العناصر وفق سنن خاصة تختلف عن السنن اللفظية و ينتهي المشهد وفق ما يحدد "غي دي بور" إلى شخصنة البضاعة و وبضعنة الإنسان بالاعتماد على استراتيجيات التعمية التي تعمل على إخفاء الطابع الاقتصادي للسلع و التستر على خلفياتها المادية و تغليفها بالقيم لذلك فإن السبيل الوحيد للتخلص من "الإرهاب" اليومي للمشهد الذي يسخر كل وسائل الاتصال الجماهيري هو العمل على مداهمة سميائية هذا الخطاب وفضحها تمهيدا لزوال شروط وجودها الموضوعية و من ثمة تشكيل أوجه للتواصل الكوني القائم على المشهد الذي يعيد الاعتبار لما هو إنساني في الإنسان .

خاتمة: جنائزية الراهن

تطل علينا الألفية الثالثة بخطاب جنائزي يعشق منطق النهايات، نهاية التاريخ الايديولوجيا، الأفكار، الرؤى، خطاب يبتلع الخصوصيات الحضارية و الثقافية تحت عنوان ماهو كوني، و يؤجج حيرة تعكس أشكال الاستلاب المتزايد الذي بات يطبع وجودنا المعاصر. فهل يعود احساس الانسان اليوم بفقدان المعنى الى تأرجح أنظمته الرمزية بين المنتظرو المآل؟ و هل يستطيع الانسان أن يرسم بدايات أخرى مغايرة لارثه الانساني و الحضاري؟ أي شيء ينتظره الانسان من أنظمته الرمزية يبدو أن المطلوب سواء كان منشودا أو وهما أو حلما طوباويا مجهوما فإنه يعكس أزمة السؤال عن الانسان ضمن اللحظة الراهنة ليتوج بؤرة تاريخية هي شهادة ميلاد للعديمة الجديدة عبر ثنية الفراغ الذي عقب اندثار الاله ألم يقل "ميشال فوكو" في الصفحات الأخيرة من كتابه "الكلمات و الأشياء" "ليس غياب الله أو موته هو المؤكد بقدر ماهي نهاية الانسان" و يكمن هاجس العدمية في الدعوة الى انسان جديد يولد على أنقاض جثة الإنسان الميت سليل العقلانية و الحداثة، ذاك هو فوكو العدمي المتمرد قتل الإنسان و احتضن قتيله الى درجة احيائه من جديد و ربما هذا ما قصده القول النيتشي "مات الاله و لكن ستكون هناك ربما طيلة آلاف السنين مغارات يعرض فيها ظله و تلك هي طبيعة الناس، أما نحن فيجب علينا أن نهزم ظله " إن الإنسان الذي ينتهي عند فوكو هو ذاك الغريب عن ذاته إذ يقول : "ما يجب أن أكون أنا الذي أفكر؟ أنا الذي أكون أنا فكري كي أكون ما لا أفكر و كي يكون فكري ما لست أنا كائنا فيه".

إن الموت الذي يعلنه نيتشه أو فوكو ليس انسداد كينونيا بل هو صرخة الفلسفة التي لا تبدأ إلا لحظة تقويض مركزية الحقيقة و استبدادية التاريخ و نرجسية الثقافة ذاك هو الفكر الذي ينسحب من تلك الشواطئ التي أقام فيها طويلا إنه فكر يرتل على مسامعنا نعي وفول المفاهيم الكلاسيكية للإنسان و التاريخ و اللغة و التواصل و يصدر في حقها بطاقات الوفاة الرسمية.

هكذا يبدو السؤال عن الانسان اليوم ممرا يحملنا على معاودة ذواتنا المترحلة في ثنايا الغير و الآخر و المعنى و الخير و السعادة و الجمال و المقدس رغم كونها جميعا كما علمتنا دروس فوكو مواليد تترصد السلطة ولادتها و تحولها الى استراتيجيات للنفي و الاقصاء ذاك هو حال الوسائط الرمزية التي صاغها الانسان تضطلع دائما بازدواجية التواصل و انسداده ففي علاقتنا بهذه الأنظمة نتأرجح بين الحد الإنساني والحد اللاانساني فينا و علاقتنا بالآخر تتحدد بالحيدان بين هذا الحد أو ذاك.

بعدئذ:

"نحن نعلم جيدا انه ليس لنا الحق في أن نقول كل شيء".

ميشال فوكو: نظام الخطاب ص 110 .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://exellence.ahlamontada.com
 
في اجتراح دلالات التواصل الإنساني و انسداده
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
النجاح للجميع ::  التعليم العام :: منتدي الفلسفة :: الباكالوريا-
انتقل الى: